عماد الدين خليل
188
دراسة في السيرة
لحية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يكلمه ، والمغيرة بن شعبة واقف بسلاحه على رأس الرسول صلى اللّه عليه وسلم فجعل يقرع يد المفاوض ويقول : اكفف يدك عن وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل ألاتصل إليك ! ! فيجيبه عروة : ويحك ما أفظك وأغلظك ! ! ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبتسم . وعاد عروة إلى قريش ليعلمها بما حدثه به الرسول صلى اللّه عليه وسلم من أنه لم يأت يريد حربا ، وليقول لها : يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه ، وإني واللّه ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه . ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا . فروا رأيكم « 1 » . رأى الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يبعث من جهته سفيرا إلى قريش ليوضح لهم الهدف الذي جاء المسلمون من أجله ، فاختار خراش بن أمية الخزاعي لأداء المهمة ، إلّا أن خراشا ما أن بلغ مكة حتى عقر أشرافها بعيره وأرادوا الفتك به لولا أن منعته الأحابيش ، فخلوا سبيله لكي ما يلبث أن يرجع إلى معسكر المسلمين . ليس هذا فحسب بل إن قريشا أرسلت خمسين من رجالها المسلّحين ليتسلّلوا إلى معسكر المسلمين ويصيبوا بعض رجاله في محاولة لاستفزاز الرسول صلى اللّه عليه وسلم ودفعه إلى اتخاذ إجراء انتقامي يعزز موقف قريش لدى العرب . لكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم فوّت عليهم الفرصة بعد ما جاء به أصحابه من أسرى دون عناء كبير ، فعفا عنهم وخلّى سبيلهم « 2 » . ويحدثنا رجل من معسكر المسلمين فيقول : « أتيت شجرة فكسحت شوكها ثم اضطجعت في ظلها ، فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة ، فتحولت إلى شجرة أخرى ، فعلقوا سلاحهم ثم اضطجعوا ، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي : يا للمهاجرين ، قتل ابن زنيم ، فاستللت سيفي على أولئك الأربعة وهم رقود ، وأخذت سلاحهم ، ثم قلت : لا يرفع أحدكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ! ! ثم جئت بهم أقودهم إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وجاء عمي برجل آخر حتى وقفنا بهم على رسول اللّه في سبعين من المشركين . . . فنظر إليهم رسول اللّه فقال : ( دعوهم يكن لهم بدء الفجور ) وعفا عنهم » « 3 » . وفي رواية أخرى للواقدي
--> ( 1 ) ابن هشام ص 252 - 254 الطبري 2 / 628 ابن سعد 2 / 1 / 70 الواقدي 2 / 594 - 600 اليعقوبي : تاريخ 2 / 45 . ( 2 ) الطبري 2 / 631 الواقدي 2 / 602 . ( 3 ) الطبري 2 / 629 - 630 .